أبيض

 

لطالما كنت سوداويا بشمولية الكلمة و المعنى , الأسود يحملني على التوازن و الاسترخاء دونما أدنى جهد .

مؤخرا تعثرت دون قصد بشئ شد ساقيّ إلى دوامة أبيض أخذ يغلب على تفكيري بنصوعه المقيت مبدئيا , و المحتمل شيئا فشيئا .

كما التأقلم مع أي حال , أخذت أستوعبه , أتشربه , نقعت جسدي في حوض منه حتى صرت أنضحه ذاتيا .

الأبيض لون الانشداه , لونٌ فراغيٌّ بإتقان , قادر على تخفيف حدّة أي شئ , باعث على سلام حتميّ لأنك حالما تنفتح له سيقنعك بأنه مخلوق كصفحة , ينتظر إبداعك عليه منذ طفولته الأولى , كذبة لن تدركها إلا متأخرا و قد غضت في البياض حتى ركبتيك , صرت ميئوسا منك و ستقرر أن تعانق ذاتك البيضاء المستحدثة , ستصير ناصعا كما الجميع و ستندمج معهم حتى تتلاشى في زحامهم , ستنسى الكثير مما اعتقدته مملا و كدت تقسم أنك لا يمكن أن تشتاقه .

الكثير من المعاطف و الأوشحة السوداء لترمى .

الكل أبيض أو بالأحرى يحاول تقمص البياض كقيمة أسمى : البياض طهر ديني , مسالمة اجتماعية , كتاب لم يسطر بعد و لوحة لم تُرسم , الأبيض نقاء , شفافية , و كذبات أخرى متعددة , صغيرة و بيضاء .

الأبيض يصيرني و أنا الآن أنعي سوداويتي و أشهر ابيضاضي , صرت ذاتا بيضاوية …


The Skin I Live In

فئة الفيلم : دراما – إثارة

إنتاج عام 2011

ناطق بالإسبانية بطولة Antonio Bandiras و Elina Anaya

Poster

يحكي الفيلم بطريقة درامية قصة جرّاح تجميلي تطارده أحداث الماضي فيقرر الإنتقام بطريقة راديكالية تودي به إلى نهاية متوقعة , يأخذنا الفيلم بطريقة جذابة لنشاهد نتيجة ضخمة لخطأ تم اقترافه بلا حساب , ما الذي يساوي أن تفقد هويتك ؟ هل تستطيع الانتقام من القدر بأن تلخصه في شخص ؟ هل صناعتك لكذبة متقنة تقدر أن تحولها إلى حقيقة ؟

فكرة الفيلم و إن كانت مطروقة فإنها مقدمة بطريقة ستبقيك مشدودا حتى النهاية , أداء الممثلين لم يكن مميزا خاصة أنطونيو بانديراس , لكن الإخراج كان حسيا مرهفا كما يُعرف عن أفلام المخرج Pedro Almodovar , وجدت أن اسم الفيلم مبتذل بعض الشئ .

الفيلم حائز على 7.6/10  في تقييم موقع  IMDb 

و 81%  في موقع  Rotten Tomatoes

بالنسبة لتقييمي بعد مشاهدته :

القصة 7/10

الأداء 6/10

الإخراج 7.5/10

الفيلم مصنف R و لا يُنصح بمشاهدته لمن هو دون 17 عاما .


كذبة

انتظار آخر لا بطولي

كل يوم أخبرها أنها آخر مرة , أعدها بحماسة بالغة أن انتظارنا لن بتجدد و سنجد طريقة ما لنطرده مع كماليات أيامنا , منفوثا مع ترهاتها أو مزدرى كما بقايا طحين البن في فنجان كبير .

وجهها الجميل آخذ في الانحسار تعبا .. لم نعد ننام

نحدق في ما حولنا هامسين رقيات قديمة تحمينا من شرّهم و شرّنا أو نجلس حالمين يقظى بغد ما .. أي غد ..

أحب رؤية وجهها المؤمن بي , بارعة في تصديقي , تحبك أطراف كذبي حين يهترئ , تلفه بعناية داخل راحتي , ثم تبسط يدها لتطالب به من جديد ….

أحدق في الكف طويلا فتحثني بنبرة يائسة : أريد …

نسيت أن أشتري لها السكر , نسيت أن ألتقط حجرا ملونا عن قارعة الطريق , و جيوبي العميقة فارغة من الأشياء الحقيقية .

أومئ نافيا : لا شئ معي اليوم لك ..

تمد أصابعها الناعسة إلى وجهي ببطء متقن , تمسحه كمن يلم الغبار عن غيمة

– قلها

– …….

– ؟

– لا انتظار بعد اليوم , نامي الآن وفي الصباح سيكون كل شئ كما تحبين …

تحضن كذبتي و أحضنها كذبتي و نغفو …


عبثية طفولية

rain

ودعها بعناق صغير و مضى , حبات المطر الأولى بدأت تتسابق على قماش المعطف , تنزلق عنه راسمة الطريق لأخرى ستبلله قريبا جدا .

لم يكن بحاجة لأن يلتفت , يعلم يقينا بأنها سوف تقف هناك تحت المطر بعينين واسعتين تخترقان ظهر معطفه حتى عظامه , تشد قامتها لتقف على أطراف أصابعها , يطول جسدها أنملة تكسبها ثانية أخرى لتدرس ابتعاده بقلق , يختفي فتقف لامصدقة كما دائما , و كأن رحيله كان مزحة من نوع ما و سيطل بعد برهة بوجهه الجاد محاولا رسم ابتسامة مرهقة على وجهه المرهق , لكنه لا يعود …. لم يلتفت مرة بعد أن ودعها و يختفي كما أنبأت أولى خطواته الواسعة …

ماذا تريد منه هذه الشيطانة الصغيرة ؟ تتعلق بأذيال أيامه , تضحك و تنحت لها مكانا حول شؤونه تسكنه , تلتهم كلماته الكبيرة بشهية لا تنقطع و تنظر إلى وجهه طويلا طويلا .. ما لها و لوجهه ؟

الغد قاتم .. يريد أن يخبرها مرارا , لا يعلم خلف أي جدار قد يرمى في الغد , لا يعلم إن كان سيحيا ليلاقي بمعطفه نقرات المطر المتعاقبة من جديد , و هي في وسط الموت تريده أن يمشي معها حتى منزلها , تريد أن تتأبط ذراعه بإحكام و ترفض أن يقاطع مسيرهما العرضي برؤيته التحليلية لأحداث اليوم في نشرات الأنباء .

هي ليست امرأة , أقرب إلى طفلة كبيرة بجسد صغير , بلا أدنى حضور أنثوي , طفلة شيطانة بابتسامة عريضة مضجرة , بقرب دافئ يحاكي نهايات الصيف , لا شئ مثير , لا شئ يبرر استغراقه في تلمس كم معطفه حيث كانت ذراعها تحبو , ذكرى رائحة أقحوانة تغمر وجهك بشئ حقيقي بعيد عن العطور المنمقة ..

يبدأ بتخيل تفاصيل جسمها , ما من شبه بينها وبين نساء أحلام المراهقة , يبتسم , يتعثر بشئ ما في وحل الطرقات و يتقافز ليتجنب السقوط و يتابع مسيره بوتيرة أسرع هذه المرة ..

ليس باردا , ليس بذاك الدفء على أي حال , أقرب إلى حدث متعب , هكذا فكَّرَتْ , ليس أنه لا يراها , لكنه ببساطة لا يدرك أنها قربه لسبب , تمسك ذراعه محاولة متابعة خطواته المسرعة عبر أي طريق , تحبس كثيرا من أنفاسها حتى لا تلهث , و تعاند رغبة بدائية للصراخ في وجهه ..

يوما ما ستفعل , ستقف أمامه فجأة و تصرخ كل رغباتها في وجهه تريده أن لا يكون متعبا بعد اليوم , أقل أنانية , أكثر شجاعة

” أريدك أن تكترث !! ”

ستصرخ به أن يمنحها فرصة لإدراك ماهية وجوده داخلها , أن تعرف ما تريده منه …..

تشعر بعدوى تعبه تنخر أركان سريرها تستهلك طاقتها , تفكر في نافذة مفتوحة في مكان ما تجعلها ترتعش دون أدنى رغبة لديها بإغلاقها .

يرن هاتفها بفيروزية ما , بصوته من الطرف الآخر هادئا كعادته

– كيفك ؟

– منيحة

– ….. بشوفك بكرة ؟

– أكيد …


حكي ..

 

بعد أن غدا الصراخ لغة مبتذلة فلتصمت صمت الجثث , صباحاتك يغمرها العجز عن إبعاد فكرة , عجز عن تأجيل الصباحات بحد ذاتها , ولا أحد يمهلك ثانية لتدرك أنك عدت إلى أرضهم الملعونة بصحوك ..

انهض .. امتلئ باللازم حتى الغثيان .. ثم اقض بقية اليوم في تجوالك الآلي على ما سُمِحَ لك به .. روتين …

تشتُم تخاذلك أو تحاملك .. تشتُم غضبك أو عدم اكتراثك .. تشتُم نفسك ,  لمَ لا ؟ الكل يفعلون , يشتُمون أنفسهم لأنه من البطولة أن تبالغ في تحقير تضحياتك في سبيل قضاياك و إن كانت مكتسبة , و إن كنت بعيدا عن فهم معظمها ألف سنة ضوئية في الماضي القريب ..

يشتمونك أيضا لأنك تقلق كل الوقت , أنت لا ترقى لتسمية “إنسان” إن تجاهلت المراحل التاريخية المصيرية لتفكر بأمر تافه كالموت , كرغيف الخبز , كاحتمالية خطف طفلك في طريق عودته من المدرسة , إن فكرت في ذاتك , انكفاءك الغبي على نفسك , بكاءك بصمت في لحظة ما لأنك لم تعد تعرف ماذا تفعل …

هل ترضى بالعجز و القرف الغامر قاسما مشتركا بيني و بينك ؟


عنّا

images

ما من شئ مميز في حب يرضي قلبك وجسدك وغرورك , كل أولئك أطفال سريعو الرضا و الغضب , يهدهدهم دفئ شمس كما عمق حضن كما وسادة بلا وطن .

إذا أردت أن تحب , فابحث عمن يصهر روحك دفعة واحدة لتملأ كالسيل أطراف الأرض و السماء , إبحث عمن يوصل عقلك إلى المنطق الكلي المنفتح على كل الأبعاد , عن شخص يحبك فعليا بحماقاتك ولامنطقيتك كما يحبك في ذروة عقلك و صرامتك , حبيب يمكّنك من ملامسة سقف السماء دون رهاب الحدود و النهايات هذه المرة , و كلمته كقبلته , تحمل طعما يشعل رماد احتراقات وهنك وهزائمك لتشتهيها من جديد .


إدراك

rea-late

 

صباح اليوم أتاني مع انعكاس وجهي إدراك ما ..

هذا ما حدث : أدركت

أكره الإدراكات المتأخرة , لا سبيل لأن تتفاداها أو أن تفوقها ذكاءا , هي فقط تأتي من خلف ظهرك في ذروة تيقظك , تصرخ بك , تنعتك بالحمق و تنتظر لتتفرج على ردة فعلك .

لا أنكر أنني في السابق نجحت مرات عديدة في احتواء إدراكاتي , كنت ألتفت إليها ببرود و كأني على موعد مسبق معها , أرحب بها في منزلي المتواضع و أدعوها لأن تطيل المكوث , فترد عليّ باغتياظ شديد و تتوعدني بإدراك مفاجئ لا أحتسبه ..

اليوم كان سيئا , لم أرغب بأن أكون مستعدة , أردت أن يصدمني إدراكي بلا رحمة , أن يجبرني على اتخاذ تدابير يائسة تناسب حجم الحدث , مزودة بكومة من أسباب خبيثة لا يملك عقلي إلا أن يصادق على قتامتها باشتهاء ..

أنتظر إدراكي المفاجئ , أرسم أسبابه و أخطط لتبعاته بعناية , يبدو أنني قد قتلته مسبقا …..

مهلا .. قد أدركت هذا الأمر للتو ..